هل من نهاية
لثقافة العنف ؟
باسل أودو
تجربة السنوات الخمس العراقية الماضية ، ناهيك
عن ما قبلها ، كشفت وبشكل واضح عن عدم القدرة
والفشل في أيجاد القواسم المشتركة الفكرية
والسياسية ، بين أطراف العملية السياسية ،
وبينها وبين النّخب الثقافية .
تجربة السنوات الخمس ، لم يستطع القائمون على
أدارة أحداثها ، من كبح وأنهاء العتف السّائد
فيها ، بل مدّته بأشكال ووسائل عنف جديدة ، لم
تكن معروفة في مجتمعنا .
أن الأعتماد على التحليل القائل ، بأن الواقع
الحالي هو تحصيل حاصل لسياسات النظام البائد
الشوفينية والديكتاتورية ، لا يكفي لتغيير
الواقع ، بل ان المطلوب هو تغيير أفكار
وأساليب موروثة أيضا من قناعات
سابقة فرضتها طبيعة الأجواء السياسية التي
كانت سائدة حينها .
فثقافة العنف لم تكن ثقافة الأنظمة
الديكتاتورية فقط ، وانّما كانت ثقافة الأحزاب
والتنظيمات المعارضة للديكتاتورية ، ومن
المؤسف له ، أنه رغم التغيير ألذي حصل ، لم
يتم التخلص من هذه الثقافة الكارثية بنتائجها
على المجتمع .
أن من حق الدولة والحكومة أن ترّد على الأرهاب
والجريمة المنظّمة بعنف وقسوة ، ولكنّها ولكي
تؤمّن لمجتمعها ثقافة حضارية جديدة مناهضة
لثقافة العنف ، عليها أن تنشر وتثقّف لأفكار
حضارية تقوم على أحترام الآراء والثقافات
والأفكار الأخرى ، لتصل الى اعتبار الحوار هو
الأسلوب الأمثل والأنجح لحل المعضلات
والأشكالات والأختلافات .
أن مشاهد العنف اليومي الحاصل ، وأنهار الدم
الجاري ، واستباحة أرواح البشر ، جرائم كبرى
بحق الناس ،ولكن الجريمة الأكبر تكمن في
تحولها الى مشاهد طبيعية تنتزع من انساننا
احساسات مرهفة بحب الحياة ، وتحوّل فكره
وثقافته نحو قناعات اللاّجدوى من الحياة
لتوصله الى حالات نفسية كئيبة وتقتل فيه كل
روح ابداعية جميلة .
ان منظر ذبح الحيوانات المقرف ، وعلانية ،
طبيعي لدينا ، بسبب التشبّع الذي حصل من مناظر
الدم والعنف المستمرة منذ عشرات السنين ،
مناظر التطبير وجلد الأجسام تنقل نقلا مباشرا
عبر شاشاتنا وفضائياتنا العراقية للأيغال في
نشر ثقافة العنف والتبشير بها . حتى الدعاية
لبعض الأغذية تساهم في نشر ثقافة العنف ك (
يوجد لدينا قلب خروف أو لسان بقر أو معلاك ) .
على الدولة والحكومة ، والى أن يتم لها القضاء
على الأرهاب ، أن تنتبه وتباشر بأيقاف كل
التوجهات والثقافات المؤدية الى العنف .
فالأبتعاد عن الأستعلاء السلطوي على المثقفين
ومحاربتهم وقتلهم أو دفعهم للهجرة أو على أقل
تقدير تهديدهم بالقتل فيما لو واصلوا التنبيه
للثغرات والأخطاء والسلبيات ، الأبتعاد عن هذا
الأستعلاء سيقود الى الوحدة بين المثقف
والسياسي بدل الفرقة .
وحتى في التصريحات ، يجب الأبتعاد عن الكلمات
الدّالة على العنف والقسوة ، خاصة بين أطراف
تشترك سويا في بناء الوطن ، كمثل ، فاز
بالأغلبية الساحقة ، أو تمّت الموافقة بأغلبية
ساحقة ..... ساحقة لمن ؟ للذين أعترضوا، أو
كان لهم وجهات نظر أخرى ؟ الا يمكن القول ...
أغلبية مطلقة أو نسبية ، لما لمفردة السّحق من
مدلول عنفي لا يجوز أستخدامه بحق جهة أو جهات
تشترك في بناء الوطن .
لم نتخلص لحد الآن من هذه الثقافة ألتي
أبتلينا بها ، ولم نلمس خلال السنوات الخمس
الماضية اي توجّه جدّي حقيقي عملي لقبرها
والشروع بتبنّي ونشر ثقافة حضارية في التعامل
السياسي والأجتماعي .
كل تأريخ شعبنا لم يقبل بأية ثقافة توجهه نحو
صراع قومي أو ديني أو طائفي ، بل كانت دائما
العلاقات الأجتماعية بين أبنائه ، وعبر
التأريخ ، تتحقق وتقوم على أساس القناعة
والمزاج الفردي أو العائلي البعيد
عن النظر الى الأنتماءات القومية أو الدينية
أو الطائفية .
لكننا نجد في السنين الأخيرة توجّها غريبا ،
وخاصة لدى أحزاب وتيارات الأسلام السياسي ، في
أشاعة الثقافة الطائفية والمذهبية والقومية ،
وبروز ظاهرة السؤال عن الأنتماء اليها عند
الحديث بين الأشخاص .
ما يصرّح به القادة علانية شئ ، وما يضمرون من
أفكار ، وينفذون على أرض الواقع ، وعن طريق
العنف المسلح ، شئ آخر .
أنها لكارثة أجتماعية كبيرة ، أن تجعل الأنسان
يعيش هذا التيه ، وتدفعه الى الشك بقادته
وطروحاتهم وأفعالهم ، مؤدية به الى اليأس ،
جاعلة أياه انسانا سلبيا ، انه قتل متعمد
للأنسان .
أما الهوّة ألتي تزداد عمقا يوما بعد يوم ،
بين المثقف المستقل خاصة ،من جهة ، وبين
الدولة والحكومة والسياسي من الجهة الأخرى ،
فهي الأكثر كارثية ، ما يدفع بالمثقفين
العراقيين المخلصين ، الى التراجع شيئا فشيئا
عن أهتمامهم المخلص بشؤون وطنهم ، وبذلك يتم
تفريغ الساحة الوطنية من التفاعلات الفكرية
الأيجابية المطلوبة لبناء الوطن ، وجعل تلك
الساحة حكرا على فكر واحد يقود بالنتيجة الى
صناعة ديكتاتورية جديدة ، بأفكار وأسماء
وممارسات جديدة .
ان الأصرار المتعمد في أنتزاع الروح العراقية
الطيبة المتجذّرة في أعماق النفس العراقية ،
وتوجيهها وجعلها تتعامل مع الوقائع والأحداث
كأنعكاس لمواقف سياسية أو دينية أو طائفية أو
قومية ، يؤدي الى مسخ روح الأنسان العراقي .
علينا أزالة حالة الشك والخوف ألتي أعتاد
عليها الأنسان العراقي ، بسبب عدم الأستقرار
السياسي والأجتماعي الذي مر به تأريخ العراق
القريب منه خاصة .
فلا زال العراقي يشّك في غد مستقر ويخاف من
وقائعه ، لا زال العراقي حتى في أبسط الأمور
يحتاط لأيام أو في بعض الأوقات لشهور قادمات ،
خوفا من المفاجآت ألتي أعتاد عليها ، لا تزال
العائلة العراقية ، على سبيل المثال ،
والمتكونة من أربعة أفراد أو أكثر ، تشتري كل
يوم خبزا يفوق حاجتها الفعلية ، خوفا من غد لا
تعرف أحداثه .
هل هذا قدر العراق الأبدي ؟ أم أنه قرار
المتحكمين بتوجيه هذا القدر عبر تأريخه ؟
منذ مئات السنين والعراق تتنازعه وتشتت شعبه
أنظمة وأفكار وثقافات وممارسات وطروحات أعتمدت
ثقافة العنف في مواجهتها للأحداث أو في العمل
على تحقيق أهدافها . ويوم توفّر العراق على
فرصة للأنطلاق نحو آفاق جديدة ، تمّ أغتيال
فرصته وفرحته بها في مهدها . ومن أغتال الفرحة
جهات عدّة من داخله وخارجه ، وأعيد العراقيون
مرة أخرى الى قناعات اللاّحل وعدم الأيمان بأي
مستقبل زاهر ، الى اليأس والقنوط والكسل
الفكري والأبداعي ، الى الشك والخوف من
الطوفان .
أن أفكار قيادة الوطن عن طريق السياسيين فقط ،
أصبحت أفكار خاطئة ، فالوطن يقوده ويبنيه
الجميع ، قادة أجتماعيون ، مثقفون ، أدباء ،
شعراء ، فنانين ، رجال دين ، أساتذة ،
اكاديميون ، واى آخره من أختصاصات فكرية و
يدوية ، علمية وثقافية ، تتفاعل جميعها وتنتج
أوطانا مستقرة مزدهرة متقدمة ، ومجتمعات
حضارية .