على طريق
الديمقراطية وتطبيقها
(2)
باسل أودو
ان بروز وأنتشار ظاهرة ما أو ممارسة ما في زمن
ما ، لا يعني صحة أو صواب تلك الظاهرة أو
الممارسة ، وبهدف اضعاف أو انهاء تلك الظاهرة
، علينا البحث عن أسبابها ، وعن أصحاب المصلحة
في تعميقها وتكريسها ، وتأثيرها على اعاقة
تقدم المجتمع وتطوره ، على أن يكون البحث في
أجواء ديمقراطية صحيحة ، والأعتماد على مجموعة
اجراءات تتلاءم مع أسبابها ، وعدم الأعتماد
على اسلوب أو اجراء واحد ، والذي غالبا ما
يكون عنيفا .
كما أن الفشل في معالجة ما أو الأخفاق في
مواصلة بناء ما ، لا يكون بالضرورة بسبب الفكر
أو المبدأ المعتمد وانما قد يكون بسبب التطبيق
الخاطئ لذلك الفكر .
المجالات والمساحات الواسعة التي تتيحها
الديمقراطية للمعالجات والبناء والتقدم ،
تضعنا أمام المسؤولية جميعا ، للبحث المشترك
عن الحلول والمشاركة المتساوية في التنفيذ
والتطبيق ، وتحمّل
النتائج . كما توفر لنا مجالا كبيرا للمراجعة
الدائمة والتطوير المستمر ، وتبقي الباب
مفتوحا دائما للأبداعات والأجتهادات المتبادلة
بين الأطراف ، باتجاه الأرتقاء .
ان الخيار الديمقراطي ، لا يمكن أن ينمو
ويترسّخ من دون قناعة الناس به ، على أن تكون
هذه القناعة مستندة على الوعي بضرورة وصحة
الخيار والمشاركة به ، بعيدا عن القوة
والقسريات والغيبيات ، والنقل الأعمى أو
التأثر المساير للمودة ، أو تلبية لأملاءات .
الاّ أن هذا لا يعني ، بأنّ التطبيق الأمثل
للأفكار الديمقراطية ، يتحقق بين ليلة وضحاها
، بل سيكون ثمرة نضال صبور ، وتراكم خبرات
وتجارب وطنية وعالمية ، المهم أن نبدأ ،
والأهم أن تكون البداية
صحيحة ، لأستمرار صحيح ، وتراكم مفيد ،
وأستراحات مراجعة مشتركة صحيحة ، وأن لا نغفل
في التطبيق والممارسة خصوصيات مجتمعنا
بتكويناته ، مثلما الأنتباه الى ( السلبيات )
في التطبيق الغربي وطريقة فرضه لثقافاته على
الشعوب ، بأتجاه خدمة أفكاره المؤدية للبطالة
والعازة والفقر ، رغم ما يوفره المناخ
الديمقراطي الغربي من مناخات تتيح للخيارات
تعددية واسعة .
هنا أجد ضرورة التذكير والتنبيه ، الى محاولات
قديمة وحديثة ، لأختراع تعريفات لمفاهيم
وأفكار ، تتبعها تطبيقات محرّ فة للفكر ، بحجة
الخصوصية ، وبأتجاه خدمة أهداف وتوجهات نظام
ما .
فاختيار النهج أو الفكر يخضع لسببين ، أولهما
الأستجابة القسرية أو الأنتهازية لأتجاه ما
يطبع العالم ، أو القناعة بصحة ذلك النهج أو
الفكر ، ولكن المشكلة ليست في القناعة الأولى
المعروفة الأهداف والنوايا ، وأنما في القناعة
الثانية وأسلوب تطبيقها الميكانيكي للفكر ،
ألذي يقود الى الفشل وما يسببه من تراجع
وأحباط وأنهاك للقوى ، مخلفا قناعات بعدم صحة
الفكر والتوجه ، وبالتالي رفضه ، فلكي تكون
انتقالة الخطوة الثانية صحيحة ، علينا أن نخطو
الخطوة الأولى بشكل صحيح .
أنّ أخطر ما يواجه الديمقراطية ، هو عدم
أقتناع المنادين بها بما فيه الكفاية ، أو
أستغلالها كأسلوب للوصول الى السلطة ، أو في
عدم الممارسة الصحيحة لها .
أنّ أهم مبادئ الديمقراطية تتمثل في الحرية
والمساواة وحق أختيار نظام الحكم وتغييره عن
طريق تداول السلطة سلميا ، والحق المضمون في
التعبير والمشاركة والأعتراف بالآخر فعليا ،
وأعتباره جزءا من البنية الأجتماعية ،
والأعتراف بأن الحقيقة نسبية وموزّعة بين
الجميع وللوصول اليها لا بد من الحوار
الديمقراطي بين الجميع للوصول الى
الحقيقة الممكنة .
انّ الوصول بمجتمعنا الى المستوى ألذي تصبح
فيه الديمقراطية والتعامل الديمقراطي امرا
بديهيا ، لا يمكن العودة عنه ، يتطلب ، ومن
الجميع ، عملا مخلصا واعيا وطنيا مستمرا ،
يلزمنا التخلي عن موروثات فكرية واجتماعية
شلّت الأبداع الفكري والأجتماعي ، ان لم تقتله
. كما ويتطلب جعل الدولة بمؤسساتها ، الضامن
والمدافع عن حقوق الأنسان ، والقضاء والى
الأبد على كل ما يؤدي للتراجع والعودة الى
أزمنة الديكتاتورية
والحكم القبلي والعشائري والطائفي ، أو
الأحتماء بها .
الجزء الأول