على طريق
الديمقراطية وتطبيقها
(1)
باسل أودو
الأنتقال من حالة الى حالة أعلى ، ومن وضع ما
الى وضع أكثر تقدما ، ومن مرحلة تاريخية معينة
الى مرحلة أخرى ، وما يرافق الأنتقال من
تعقيدات في المجالات كافة ، مرتبط ، هذا
الأنتقال ، بمجموعة من العوامل الموضوعية
والذاتية ، التي تتكون وتتراكم وتفعل فعلها في
عملية الأنتقال والتطور .
وتتباين المجتمعات من حيث مستوى تطورها ،
وتختلف في تفاصيل انتقالها ، نظرا للخصوصيات
الوطنية المتباينة والمختلفة ، في قسم منها ،
والمتطابقة في اعمّها الأغلب .
الاّ أن الفرق في مستوى التطور ، والأختلاف في
بعض الخصوصيات ، لا يمنح الحق للأكثر تقدما في
فرض تجاربه وأفكاره وسياساته ، على الأقل
تطورا ، مثلما لا يمنح تبريرا للأقل تطورا ،
للوقوف بالضد من حركة التطور التاريخي ، بحجة
الخصوصية ، ولا أن يكون ذلك دافعا ، للتراجع
واليأس وتقديم التبريرات للعجز والخضوع للأمر
الواقع ، وتقديم التنازلات .
فالأقرار بأن الوضع العراقي ، كما أوضاع دول
كثيرة أخرى ، وضع معقّد ومتأزم و متخلف ، هو
وصف للواقع وليس قدرا أبديا ، وليس واقعا لا
يمكن تغييره . انه نتاج موروث لما سبقه ، كما
يورّث واقعنا لما يليه ، من تعقيدات في حال تم
الأصرار على عدم الاستفادة ومعالجة الاسباب
التي أدت بواقعنا الى أن يكون بهذه الصورة
الرديئة ، لنقدم لما يليه أوضاع أكثر تقدما
وحضارة .
فالقناعة بوراثة أسباب الأزمات والتعقيدات ،
والأقرار بها ، لا يكفي ، ويجب أن يرافقه عمل
كبير ، وعلى كافة الأصعدة بأتجاه أن لا يتم
تكريس قيّم متخلفة قديمة أو جديدة وتوريثها
مجددا لأجيال قادمة .
انّ القراءة الصحيحة للواقع وأستيعابه ،
والمعبر عنها بالوعي ، يجب أن لا تكون مغالية
في التفاؤل أو التشاؤم ،كي يتم صياغة معالجات
وأفكار موضوعية واقعية ، تجنّب مجتمعنا ، قدر
الأمكان ، الهزّات والمفاجآت ، والتي قد تكون
أيضا بسبب عوامل موضوعية تفرضها قوانين التطور
.
واحدة من الطرق ألتي تقود الى القراءة الصحيحة
للواقع يجد تعبيره في الديمقراطية . الاّ أن
أفتراض الديمقراطية حلا سحريا لكل المشاكل ،
وأفتراض قيام مؤسساتها كافيا ، يكون أفتراضا
خاطئا .
فالديمقراطية ليست فقط مؤسسات ، انّما هي
أجواء ومناخات وقناعات حقيقية ، تعمل داخلها
تلك المؤسسات والعقول ، وضمن هواءات نقية .
فالديمقراطية ، كما هي شرط أساسي للتقدم ،
فأنها في نفس الوقت أداته أيضا ، ولكن عبر
القناعة بها والأشاعة لها وفهمها ، وحضورها في
كل حلقات البناء الأجتماعي ، من أصغرها الى
أكثرها وضوحا متمثلا في الدولة .
ان الأبتعاد عن الديمقراطية ، أو منحها اجازة
اجبارية ، بأختلاق الحجج ، يجعلنا ندور حول
أزماتنا ومشاكلنا ، ويقودنا الى خيالات وأوهام
وأتهامات ، تقودنا الى تراجعات أكبر ، ووقائع
أكثر مؤلمة ، نخلقها بأنفسنا لواقعنا ، أو
يفرض الآخرون ، وعبر ممارساتهم ، علينا ، أن
نبتعد عن الطريق الصحيح للتعامل الديمقراطي .
ان الديمقراطية حقوق في كل المجالات ، كما هي
ضمانات أخلاقية وقانونية ، تتم عبر اسلوب
التفكير والسلوك وطريقة التعامل بين أطرافها .
فالديمقراطية ليست تشريعات قانونية فقط ، لا
تجد تعبيرها في الممارسات العملية اليومية ،
وانما هي قواعد وتقاليد تشمل الجميع ويطبّقها
الجميع ، أكثرية كانوا أم أقلية .