الرزنامة
العراقية الفريدة
بهاء هادي
تنفرد الروزنامة السنوية العراقية باكبر عدد
من المناسبات الوطنية والدينية لاسباب معروفة
ترتبط في معظمها بالتنوع الموزائيكي العراقي
اضافة الى الهوس الذي تميز به رأس السلطة
المشنوق صدام في واحدة من الصفات الاساسية
للحاكم المتفرد الا وهي التذكير المستمر للشعب
بواجب تقديم فروض الطاعة والولاء والاعجاب
والانبهار بكل ما يتعلق بشخصية المقبور,واذا
كانت الاعياد والمناسبات الدينية على تنوع
ديانات العراقيين واعراقهم معروفة منذ مئات
السنين وغير محدده في معظمها بالخصوصية
العراقية اي انها مشتركة مع البلدان
الاخرى,كالاعياد الرئيسية للمسلمين والمسيحيين
فان الاعياد الوطنية كانت محدودة بالفواصل
المعروفة في تاريخ العراق كعيد الجيش وثورة
الرابع عشر من تموز المجيدة اضافة الى عيد
العمال العالمي في الاول من ايار وعيد المرأة
في الثامن من اذار وهما مناسبتان عالميتان
يحتفل فيهما على مستوى العالم , لكن طوفان
المناسبات اجتاح العراق منذ الانقلاب الاسود
في الثامن من شباط عام 1963 وحتى سقوط الصنم
في 2003 , وكانت عملية ولادة مناسبة جديدة
والصاقها في الرزنامة العراقية المزدحمة لا
تحتاج اكثر من زيارة لمدينة عراقية مثلا من
قبل الدكتاتور ليكون وصوله اليها ايذانا ببدء
تاريخ جديد لها يحتفل به كل عام تحت عنوان يوم
المدينة تيمنا بزيارة القائد الملهم ,وتتصاعد
وتائر الاحتفالات عام بعد عام وتتسابق المدن
في الابتكار والتجديد للاساليب والاشكال التي
يجري تقييمها من لجان متخصصة في بغداد تعتمد
تقاريرها في التقييم
النهائي الذي يقدم لصدام لكي يمنح بركاته
وهداياه للمجتهدين في تعظيمه.
اما على مستوى العراق فان المناسبات توزعت على
كافة اشهر السنة تقريبا اذ لا تجد شهرا يبدأ
حتى استعدت مجاميع التطبيل والتزيين والتنظيم
للاحتفال بما جاد به القائد من توجيهات واوامر
لابد من تطبيقها حرفيا
مهما كانت الظروف لكي يتلافى المسؤولون وعموم
المواطنين ما يترتب على سوء
التطبيق او اختلافه من ويلات ,واصبحت
المناسبات نتيجة لالتزاماتها مصدرا للرعب
خلافا لعناوينها الداعية للبهجة والسرور
ظاهريا, فكم من جرائم ارتكبت بحق الابرياء
بدعوى عدم مشاركتهم بهذه المناسبة او تلك او
بتحريضهم المواطنين ضد مناسبة معينة او تلفيق
شتى الاتهامات لهم بهذا الخصوص تكون عقوبتها
غالبا الاعدام .
ان الذاكرة العراقية الوطنية تحمل كما هائلا
من الالم والاوجاع طوال الاربعة عقود السابقة
نتيجة لهذا النشاط
المنفلت في تعبئة ايام السنة بمناسبات
لاحتفالات الزامية ينتظم الناس فيها كأرتال
الجيش في مسيرات تجوب الشوارع وتتجمع في
الساحات للاستماع الى المفاخر والبطولات
والامجاد التي هم اعرف بحقيقتها المخالفة
للواقع والتي جرت عليهم الويلات والمآسي
والنكبات والمجازر والجوع وكل اشكال البؤس
,حتى صاروا ينفذون واجبات المشاركة فيها بشكل
ميكانيكي لا روح فيه رغم كل اشكال واساليب
الترهيب التي يتلقونها من جلاوزة النظام
المقبور, وبعد ان تخلص المضطهدون بتلك
المناسبات والاحتفالات من جداولها الالزامية
في التاسع من نيسان عام 2003 بسقوط الصنم
وتنفس الناس الصعداء بتخلصهم من تلك
الالتزامات المقيته ,كان الاولى دراسة تلك
الظاهرة المدمرة والعمل
على تخليص الموجوعين من اثارها النفسية
والاجتماعية من خلال الاعلام والمناهج
الدراسية والندوات العلمية والدراسات
الميدانية وكل الانشطة التي تساهم في تحريض
الناس على الاهتمام بما
هو نافع للبناء والتخطيط والعمل الحقيقي
للتعويض عن عقود التدمير والتهميش والحروب
وعسكرة المجتمع التي
ادت الى الفواجع والويلات الشاملة
للجميع,خصوصا وان المشاركين في تلك الانشطة في
زمن الدكتاتورية البغيضة هم أنفسهم المنتقدين
لها في وقتها والمشتكين من انهم لا يستطيعون
الا ان يشاركوا خوفا من البطش والعقاب القاسي
الذي يلوح به النظام ضد المتقاعسين والمنتقدين
لفعالياته التي يسميها جماهيرية, لكن الذي حدث
هو العكس تماما فبدلا من توجيه الناس للعمل
للتخلص من الخراب العام في البلاد ,استسهل
منتقدو الامس اساليب السيطرة على الجموع من
جديد حين تصطف بالطوابير الطويلة تحت اي لافته
ليتم سوقهم الى حيث اهواء السياسيين والقادة
الجدد ,وبدلا من الفتات الذي كان يرصد
لهذه الفعاليات في العهد السابق اعتمادا على
ان الاوامر تنفذ بأبسط
الميزانيات حتى لو وصلت الى التمويل الذاتي
,فان المتعهدون الجدد يستلمون اموالا بأرقام
متصاعدة غير محدد سقفها في كل مناسبة من التي
يسمونها مليونية , اضافة الى الشلل التام لكل
الانشطة الحكومية وكأن مؤسسات الدولة لا تعدو
كونها شركة مساهمة للاطراف السياسية المستفيدة
من تلك المناسبات بعيدا عن المصالح الوطنية
,وبالمقابل فان اي اضراب او مسيرة احتجاجية
لمنتسبي اي قطاع للمطالبة بحقوقهم المطلبية
تجابه بقسوة متناهية ليس بالضرورة باستعمال
القوة التقليدية ولكن بعدم الاستماع ولا
المناقشة ولا المتابعة لتلك الحقوق وفي احيان
اخرى بمعاقبة المشتركين فيها بعقوبات ادارية
او مالية خلافا لكل الاعراف والقوانين التي
وقع عليها نفس الساسة
ضمن اختيارهم لدستور البلاد بالرغم من هشاشته
وضعف اركانه ، وبدلا من ان يتفق العراقيون على
مناسبات مشتركة يحتفلون بها موحدين ويتخلصون
من التفرعات البعثية السيئة
لكي يكون هناك طعما وطنيا يتذوقه
الجميع ,اخذت المناسبات تتناسل من جديد لتمتلئ
بها الرزنامة العراقية وكأننا نتسابق مع بعضنا
لتعطيل الحياة بدلا من انعاشها وتطوير اساليب
البناء لنلحق بركب الشعوب التي انجزت اساسيات
توفير الحياة ولا زالت تبحث عن تطويرها في كل
يوم .
قد يقول البعض ان هذه معتقدات الناس من غير
المسموح التدخل فيها او الوقوف ضد تمسكهم بها
واحيائها ,واقول نعم انا مع هذا الذي يقال
لكنني لست مع تعطيل الحياة لاي سبب كان وكل من
يريد احياء شعائره او ممارسة طقوسه له كامل
الحق في ذلك كفرد اي ان المنسوب الى اي عمل
عليه ان يتغيب عن عمله بشكل قانوني اي ان يكون
متمتعا بأجازته الخاصة ان كان يرغب في احياء
شعائره اذا كانت تلك الشعائر ليست عطلة رسمية
لا كما اجتهد المنتخبون في البرلمان العراقي
حين غادروا الى تأدية
مناسك الحج في وقت عمل البرلمان دون ان تكون
لديهم موافقات رسمية من رئاسته ولانهم يمثلون
السلطة التشريعية في البلاد فقد كان الاولى
بهم ان يجعلوا فترة الحج وهي معروفة التوقيت
ضمن عطلة البرلمان ,وهذا مثال فقط ارجو ان
يكون واضحا ولا نحتاج الى امثلة اخرى وهي
متوفرة في العراق بأرقام لا تحصى, واذا اعتقد
البعض ان الناس كانت محرومة من تأدية شعائرها
الدينية في ظل النظام السابق ومن حقها ان تفعل
ما تراه تعويضا عن ذلك الحرمان , فان الحق
كذلك يجب ان يكون على قادة الناس سواء
السياسيين او الدينيين لتنويرهم بأن العمل
عبادة وان تلك الشعائر تدور كالماء في الناعور
وهي اتية في كل عام ,لذلك يكون العمل من اجل
بناء البلد وتوفير الحياة الكريمة للناس هو
اسمى العبادات.